العودة إلى المقالات

ريكور سانات · المقالات

ذاكرة الموسيقى

تشير الأبحاث إلى أن ما نتعلمه بالموسيقى يُكتسب بسرعة أكبر ويبقى في الذاكرة مدة أطول. وقد استُخدمت هذه الطريقة قديماً؛ فمن المعروف أن ملحمتي الإلياذة والأوديسة لهوميروس انتقلتا بين الأجيال غناءً قبل تدوينهما. وقد لا نستطيع دائماً استرجاع المعلومات المخزنة، لكن تكرار الإيقاعات والأصوات في الموسيقى يسهّل ذلك كثيراً. فمثلاً يمكنك مساعدة طفلك على حفظ أرقام الهواتف بترديدها كأغنية.

ترتبط الذكريات التي تستثيرها الموسيقى بلحظات خاصة في حياتنا. ورغم اختلاف الأمر بحسب العمر، تعيدنا الأغاني القديمة المفضلة غالباً إلى سنوات الشباب. ويسمي علماء النفس ذلك «نتوء التذكّر»، ويعزونه إلى أن الشباب مرحلة نجرب فيها أشياء كثيرة للمرة الأولى ونتذوق الاستقلال لأول مرة؛ فيكون كل شيء جديداً وذا معنى. وفي السنوات اللاحقة تصبح الحياة أكثر استقراراً. لكن مهما كان عمرك، فإن سماع أغنية خاصة بك يثير المشاعر نفسها، مما يدل على قوة ذاكرة الموسيقى. فالموسيقى توقظ المشاعر، لكن الشعور الذي تثيره لا تحدده نغمتها وحدها؛ فقد تستحضر أغنية حزينة ذكرى سعيدة، وقد يثير لحن مبهج الحزن.

تُشرك الموسيقى الدماغ كله في التعلم. وتعتمد الأساليب المدرسية التقليدية على الحفظ وتستخدم الجانب الأيسر وحده. ومع أن الجانب الأيسر يتفوق على الأيمن في المسائل العددية والمنطقية، فإنه أضعف منه في مجالات مثل الذاكرة والتفكير الإبداعي. أما الموسيقى التي تضم سرعات وترددات خاصة وتُشرك جانبي الدماغ، فتساعد على التعلم السريع والسهل وعلى الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة طويلة الأمد.

إلى جانب الذاكرة الموسيقية، ترتبط حاسة الشم أيضاً بذاكرة قوية. لكن علماء الدماغ يرون أن الرائحة تستثير ذكريات شخصية أكثر؛ فقد توقظ الرائحة نفسها ذكرى مختلفة لدى كل شخص. أما الموسيقى فلها جانب اجتماعي أوسع، إذ ترتبط ذكرياتها غالباً بالأصدقاء الذين استمعنا إليها معهم وشاركناهم التجربة. وقد تسبب إصابة الدماغ في حادث فقداناً للذاكرة، ويمكن للموسيقى إحياء ذكريات خاصة من حياة المصاب. وبإسماع المرضى الموسيقى، يستطيع الأطباء مساعدتهم على تذكّر شبابهم وعائلاتهم.

لنعترف بقوة ذاكرة الموسيقى ونستفد منها.


Duygu Deniz Uşaklıgil
Rekor Sanat – تدريس الكمان